الشوكاني
10
فتح القدير
أنفسهم ) أي لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به من الزنا إلا أنفسهم بالرفع على البدل من شهداء . قيل ويجوز النصب على خبر يكن . قال الزجاج : أو على الاستثناء على الوجه المرجوح ( فشهادة أحدهم أربع شهادات ) قرأ الكوفيون برفع أربع على أنها خبر لقوله ( فشهادة أحدهم ) أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو أربع بالنصب على المصدر ، ويكون ( فشهادة أحدهم ) خبر مبتدأ محذوف : أي فالواجب شهادة أحدهم ، أو مبتدأ محذوف الخبر : أي فشهادة أحدهم واجبة . وقيل إن أربع منصوب بتقدير : فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله ( بالله ) متعلق بشهادة أو بشهادات ، وجملة ( إنه لمن الصادقين ) هي المشهود به ، وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن ، وعلق العامل عنها ( والخامسة ) قرأ السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء ، وخبرها ( أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ) وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص " والخامسة " بالنصب على معنى وتشهد الشهادة الخامسة ، ومعنى ( إن كان من الكاذبين ) أي فيما رماها به من الزنا . قرأ الجمهور بتشديد " أن " من قوله ( أن لعنة الله ) وقرأ نافع بتخفيفها ، فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن ، ولعنة الله مبتدأ ، وعليه خبره ، والجملة خبر أن ، وعلى قراءة الجمهور تكون لعنة الله اسم أن ، قال سيبويه : لا تخفف أن في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة . وقال الأخفش : لا أعلم الثقيلة إلا أجود في العربية ( ويدرأ عنها العذاب ) أي عن المرأة ، والمراد بالعذاب الدنيوي : وهو الحد ، وفاعل يدرأ قوله ( أن تشهد أربع شهادات بالله ) والمعنى : أنه يدفع عن المرأة الحد شهادتها أربع شهادات بالله : أن الزوج ( لمن الكاذبين والخامسة ) بالنصب عطفا على أربع : أي وتشهد الخامسة كذلك قرأ حفص والحسن والسلمي وطلحة والأعمش ، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء ، وخبره ( أن غضب الله عليها إن كان ) الزوج ( من الصادقين ) فيما رماها به من الزنا ، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادته ، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة ، ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) جواب لولا محذوف . قال الزجاج : المعنى ولولا فضل الله لنال الكاذب منهما عذاب عظيم . ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب وعظيم حكمته البالغة فقال ( وأن الله تواب حكيم ) أي يعود على من تاب إليه ، ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه والمغفرة له : حكيم فيما شرع لعباده من اللعان وفرض عليهم من الحدود . وقد أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( إلا الذين تابوا ) قال : تاب الله عليهم من الفسوق ، وأما الشهادة فلا تجوز . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك . وأخرج ابن مردويه عنه قال : توبتهم إكذابهم أنفسهم ، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : من تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل . وفي الباب روايات عن التابعين . وقصة قذف المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة . وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : البينة وإلا حد في ظهرك ، فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل رسول الله صلى عليه وآله وسلم يقول : البينة وإلا حد في ظهرك ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ، ونزل جبريل فأنزل عليه ( والذين يرمون أزواجهم ) حتى بلغ ( إن كان من الصادقين ) فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الله يعلم أن أحدكما كاذب